بحث هذه المدونة الإلكترونية

الجمعة، 7 ديسمبر 2012

من الأعلام الشناقطة /الشيخ محمد فاضل ولد مامين


الشيخ محمد فاضل ولد مامين
مولده ونسبه
ولد الشيخ محمد فاضل ولد مامين سنة 1797 لا بيه محمد الامين .مامين. ابن الطالب خيار ابن الطالب محمد ابن الجيه المختار بن الحبيب ، بن علي بن سيدي محمد بن سيدي يحي بن علي بن شمس الدين بن يحي الكبير بن القلقمي بن محمد بن عثمان بن أبو بكر بن يحيى بن عبد الرحمان بن أران بن أتلان بن اجملان بن إبراهيم بن مسعود بن عيسى بن عثمان بن إسماعيل بن عبد الوهاب بن يوسف بن عمر بن يحي بن عبد الله بن أحمد ابن يحي القاسم إدريس بن إدريس الأكبر بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن بن الحسن بن علي بن عم الرسول صلى الله عليه وسلم و زوج أبنت فاطمة رضي الله عنها. ولامه .اخديجتن بنت الطاب بوبكر المتوني
ينتمي الشيخ محمد فاضل إلى عشيرة آل الطالب المختار من القلاقمة، وهم شرفاء حسنيون من ذرية إدريس بن عبد الله الكامل ، وعرف القلاقمة "بالزهد والطيبوبة، كما أن صحة انتمائهم إلى آل البيت محل إجماع النسابة، حتى قيل عنهم (من صح أنه قلقمي صح أنه شريف)" . إلا أن القلاقمة "ليس من عادتهم أن يتظاهروا بالشرف كل التظاهر كما يقع من غيرهم" ، وقد بنى والدهم دارا ولم يسقفها تواضعا منه فسمي أبناؤه السقفيين ، عدّهم الشيخ سيد المختار الكنتي في جملة من أخفوا شرفهم من الشرفاء ، ووالدهم، سيدي يحيى، "نهى أبناءه عما كان في آبائه من التسمية بمولاي، ورجا من الله أن يكون لهم مكان ذلك الخلافة الباطنة ."
وسيدي يحيى، يلقب بالكبير وبالقلقمي، ويدعى قلقم، وهو ابن سيدي عثمان، بن أبي بكر، بن سيدي يحيى بن سيدي عبد الرحمان، بن مولاي أران، بن مولاي أتلان، بن مولاي أجملان، بن سيدي إبراهيم، بن سيدي مسعود، بن سيدي عيسى، بن عثمان، بن إسماعيل، بن عبد الوهاب، بن يوسف، بن عمر، بن يحيى، بن عبد الله، بن أحمد، بن يحيى، بن القاسم، بن مولاي إدريس الأزهر، بن مولاي إدريس الأكبر، بن عبد الله، بن الحسن المثنى، بن الحسن السبط، بن علي كرم الله وجهه وابن مولاتنا فاطمة الزهراء بنت سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وقد توفي سيدي يحيى القلقمي بتنبكتو قادما من توات بعد خلال مع أبناء عمومته، وكان أسلافه ممن انتقل إلى بلاد توات نازحين عن فاس بسبب ما لحق الأدارسة من تشريد وطرد، في فتنة موسى بن أبي العافية . وظلت ذرية سيدي يحيى الكبير القلقمي بتنبكتو، خاصة ابنه شمس الدين ثم سيدي علي بن شمس الدين، الذي توفي بتنبكتو أواسط القرن 15م/9هـ، مخلفا ثلاثة أبناءهم سيدي يحيى الصغير وأبو بكر والطالب بركة، الذين ألجأهم إلى الهجرة صوب ولاتة، رفقة علماء تنبكتو، استيلاء الحاكم السونكاني سوني علي عليها عام 1467م/871هـ، وظلوا بولاتة ثمانية عشر عاما، ثم ذهبوا إلى النعمة وباشروا بناء قصرها .
ثم ارتحل سيدي يحيى الصغير إلى تورشين حيث توفي ودفن معقبا ثلاثة أبناءهم الطالب عبد الله، والطالب سيدي أحمد الهيبة، والطالب محمد جد آل الطالب المختار الذي توجه إلى الغرب لدى العرب المغافرة واستقر إزاءهم . وينتشر التعليم بصورة واسعة في مخيمات القلاقمة، حيث تقصدهم جماعات من القبائل البيضانية والسودانية لتلقي العلم والورد القادري. ولهم مدارس أنجبت العديد من العلماء . وآل الطالب المختار هم فرع من القلاقمة ينتسب للطالب المختار أو (الجيه المختار) بن الطالب الحبيب بن الطالب علي بن سيدي محمد ، بن يحيى، بن علي، بن شمس الدين، بن يحيى الكبير القلقمي . وقد انفصل آل الطالب المختار عن عشيرتهم القلاقمة، في تورشين، حوالي منتصف القرن 16م/10هـ. وإثر ذلك، انتقل الطالب الحبيب (والد الطالب المختار ) إلى المغرب، فسكن نواحي توات
ثم انتقل إلى جبل العياشي بشمال سجلماسة . وكان العصر إذ ذاك زمن ثورات وقلاقل في المغرب إبان أفول دولة السعديين وبزوغ دولة العلويين . يقول الشيخ محمد الإمام: "فأظهر الله عليه [الجيه المختار (الطالب المختار)] من الفضل والقبول والولاية ما طمحت إليه الأعناق، وذلك زمن إمارة الشريف سيدي علي بودميعة السملالي، فلم تحتمل طبيعة الملك مقامة معه في البلاد، فارتحل جدنا المذكور إلى بلاد التكرور وشنجيط، فأتى إلى عرب المعقل هناك، فتلقوه بالتبجيل والإعظام، فعرفوا له فضله، فكثرت أتباعه وتلامذته(...) حتى توفي بين أظهرهم في البلاد المعروفة بتكانت: (...) فترك أولاده وحاشيته هناك ملحوظين بعين الاعتبار والتوقير، وذلك زمن رئاسة المغافرة أبناء امبارك في البلاد المعروفة بالحوض، (...) فاستقدموهم إلى بلاد الحوض تبركا بهم وتيمنا بجوارهم (...) وصار الحوض وطنا لأسلافنا من ذلك التاريخ، من إبان القرن العاشر إلى الآن ."
وكانت وفاة الجيه المختار أواخر القرن 17م/11هـ بأركيز شرقي تكانت . ونفوذ آل الجيه المختار (الطالب المختار) محسوس بشكل متفاوت، في معظم قبائل الحوض والساحل ويعتبرون رجال صلاح وزوايا مثقفين. كما أن المنافسات التي تقوم وتثور بينهم لا تلحق بهم الأذى في الخارج. وفي الواقع، فإن هذا التوقير الديني صادر من الخارج الذي يحترمهم كأبناء وتلاميذ شيخ الإسلام القدير الشيخ محمد فاضل .
وهو الشيخ محمد فاضل بن محمد الأمين (مامين)، بن الطالب أخيار، بن الطالب محمد أبي الأنوار، بن الجيه المختار. وإليه انتهت رئاسة العشيرة، لدينه وعلمه وفضله، وقد كان الجيه المختار يعرف بالقلقمي أولا، ثم صار علما لقبيلة آل الطالب المختار وأضحت لا تعرف إلا به، ولما أظهر الله الشيخ محمد فاضل وأعطاه من الشهرة ما استغنى به عن التعريف بالقبيلة، صار كل من يتعلق به لا ينسب إلا إليه ولا يعرف إلا به ، وغدا علم القبيلة (آل الشيخ محمد فاضل) على الأعم . ولد الشيخ محمد فاضل بالحوض الشرقي عام 1211 هـ / 1797 م، وتوفي به ليلة الجمعة، عاشوراء عام 1285 هـ / 1869 م، وسمّي مدفنه "دار السلام" . أبوه محمد الأمين بن الطالب أخيار وأمّه اخديجتن بنت الطالب بوبكّر اللمتونية. ونشأ في بيئة علم وصلاح وفضل، نهل منها وتشبّع بها، فصار من أعلام العلم والتصوّف، وقد خلّف مؤلفات تربو على الخمسين، منها:
1-    مطيّة المجدّ
2-    سيف المجادل
3-    سيف السكت
4-    فقه المنى
5-    التيسير
6-    النور الساطع
7-    كشف الحجاب
8-    التوضيح في علم العروض
9-     تأليف في علم القوافي
10-            تأليف في علم الأصول على ألفية ابن مالك
11-            منظومة في اللغة على الجوهر المكنون
12-            مجموعة من النوازل الهامّة
13-            تقاييد في علوم التصوف، وغيرها
 وقد تتلمذ عليه خلق غفير . خصّص لترجمته الطالب أبو بكر الولاتي كتاب الفتح المبين، ومحمد فاضل بن الحبيب كتاب الضياء المستبين، كما تنوّعت أخباره في مصادر غيرهما .
الطريقة الفاضلية
ترتبط الطريقة الفاضلية بالطريقة القادرية ، التي تنتشر في بلاد شنقيط، مع طرق أخرى أبرزها الشاذلية والتيجانية . والفاضلية تنتمي إلى الشيخ محمد فاضل بن مامين، فهو مؤسّسها الذي تولى بثّها (ق 13م/19هـ). وقد أخذ قسما منها عن أبيه الشيخ محمد الأمين (مامين)، عن أبيه الطالب أخيار، عن أبيه الطالب محمد أبي الأنوار، عن أبيه الجيه المختار (الطالب المختار)، عن أبيه الطالب الحبيب، عن أبيه علي، عن أبيه سيدي يحيى الصغير، عن شيخه سيدي أحمد زروق، عن شيخه أحمد الحضرمي، عن شيخه الشريف ابن أوفى، عن أبيه محمد، عن شيخه الإمام ابن عطاء الله، عن أبي العباس المرسي، عن أبي الحسن الشاذلي، عن عبد السلام بن مشيش، عن ابن العربي، عن السهروردي، عن الجنيد، عن خاله السري السقطي، عن معروف الكرخي، عن داود الطائي، عن العجمي، عن الحسن البصري، عن الحسن السبط، عن علي بن أبي طالب، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وأخذ قسما منها عن أبيه، عن آبائه إلى شمس الدين، عن عبد الرحمن السيوطي، عن الإمام الثعالبي، عن محمد بن العربي، عن ابن مرزوق التلمساني، عن ناصر الدين المشدالي، عن عبد الله البطريني، عن أبي العزم ماضي بن سلطان، عن أبي الحسن الشاذلي، عن عبد السلام بن مشيش، عن ابن العربي، عن السهروردي، عن ابن هيتا، عن مولاي عبد القادر الجيلاني، عن أبي الوفا، عن الشنبكي، عن الشلبي، عن الجنيد، إلى باقي السلسلة المتقدمة إلى الرسول صلى الله عليه وسلم . كما أخذ قسما منها عن شيخه الشيخ محمد الأغطف، عن زين العابدين بن عبد الله، عن سيدي أحمد، عن أبيه الشيخ محمد بن ناصر الدرعي، عن شيخه عبد الإله بن حسين، عن سيدي أحمد بن علي، عن سيدي الغازي، عن سيدي علي بن عبد الله، عن أحمد الملياني، عن الشيخ زروق، عن ابن عقبة، عن القرافي، عن ابن عطاء الله، عن المرسي أبي العباس، عن الشاذلي، عن عبد السلام بن مشيش، عن المدني الزياتي، عن جعفر الخزاعي، عن أبي مدين الغوث، عن علي بن حرزهم الفاسي، عن أبي شعيب، عن الغزالي، عن الجويني، عن المكي، عن الحريري، عن الجنيد، إلى باقي السلسلة المتقدمة إلى المصطفى صلى الله عليه وسلم .
شخصية الشيخ الصوفية
الشيخ محمد فاضل، رغم تبنّيه القادرية، لم يكن مقتصرا عليها وحدها في برامجه التربوية، بل كان يعتمد كل ما يسمو بالإنسان من آداب صوفية دون تحجّر طرقي ولا تعصّب مذهبي، ولم يكن يلزم أتباعه نهج طريقة دون غيرها، ولا التقوقع ضمن طائفة دون غيرها، بل كان ينطلق من تصورات تربوية واضحة ووعي صوفي شامل يقوم على الإلمام بجميع الطرق مما يساهم في تهذيب الفرد وإصلاح المجتمع . وكان الشيخ محمد فاضل يحثّ على التفقّه في الدين، بعد إخلاص النيّة بالعبودية التامة قولا وفعلا لله تعالى، الذي لا معبود بحق سواه سبحانه، والذي لا يستحق العبادة غيره، والذي له التصرّف المطلق في الكون، ولا يشرك في حكمه أحدا . وحثّه على التفقه مرجعه أن "العلم سبيل الخير ومداره، وقائد الإنسان إليه ومهديه عليه، ولولا العلم ما عبد الله ."
وقد كان الشيخ محمد فاضل يقول إن طريقته اتّباع السنة النبوية وقوله تعالى "وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين" ويحضّ على العمل بمقتضى الذكر العزيز والسنّة المحمدية، وذكر الله تعالى كثيرا، دون تحديد أو تحجير . وقد كان قائما بتجديد أمور الدين ورعاية أموره، وإشادة منارة العلم وتمهيد قواعده، ومربّيا تلامذته بقواعد الصوفية المؤسّسة على الشريعة النبوية الغرّاء . وكذلك كان تلامذته الذين حملوا مشعل الفاضلية وأناروا به البلاد وصدّوره إلى العديد من المناطق، ومن أشهرهم ابناه الشيخ سعد أبيه والشيخ ماء العينين .
فالشيخ سعد أبيه صدّره والده إلى بلاد القبلة، وما والاها من بلاد السودان (السنغال)، فانتفع به الناس، وبطريقته القائمة على التسامح ونبذ التعصب، وله في هذا الشأن كتاب "الجواب الجيّد في أسئلة المختار بن احميد" الذي يجسّد من خلاله وحدة الطرق الصوفية إذ كلها مفضية إلى الله تعالى . وقد واصل الشيخ سعد أبيه رسالة أبيه وشيخه الشيخ محمد فاضل في الأمر باتباع السنة واجتناب البدعة، وتابعه مريدوه في ذلك، ومنهم الشيخ التّراد بن العباس بن الشيخ الحضرمي بن الشيخ محمد فاضل، الذي تتلمذ على الشيخ سعد أبيه وانتفع به، ويلخص طريقته قائلا: "فاضليّ الطريقة، ما صحبت في طريقة القوم غير شيخنا الشيخ سعد أبيه، (...) وهي مداومة ذكر الله على ممر الساعات، مع تأدية المفروضات والمسنونات والمندوبات، والتباعد عن المحرّمات والمكروهات، ومراعاة التوبة والاستغفار فيما يرتكب من المخالفات، هذا كله بعد تصحيح الاعتقادات، والإخلاص والصدق في النيات في سائر المعاملات، بأن تكون امتثالا لأمر رب الأرضين والسماوات" . ويقول: "بناء طريقتنا ولله الحمد على الكتاب والسنة، والتباعد عن البدع المنكرة، والزخارف والدعاوى المضلة، والإحراج والرهبانية المشددة، والطلاسم والأوفاق الغريبة، لأنها طريق شكر ورحمة، بنيت على المقاصد الصحيحة، وتأدية الفرائض واجتناب المحرمات، وتعمير الأوقات بالتلاوة والأذكار والأدعية والنوافل على وجه الاعتدال والاستطاعة لا غير .
أما الشيخ ماء العينين بن الشيخ محمد فاضل فصدّره والده لبلاد الساحل والمغرب ، لبثّ الطريقة ونفع الناس، فدعا إلى عدم التفريق بين الطرق، إذ كلها ترجع إلى الكتاب والسنة، وغايتها نفع العباد بالدعوة إلى الله تعالى، يقول : إني مخاو لجميع الطـــرق أخوّة الإيمان عند المتقــي ولا أفرّق للأوليــــــاء كمن يفــرّق للأنبيـــاء قال تعالى المؤمنون إخــوة وعدم التفريق فــيه أسـوة لأفضل الخلق بعكس التفريق ففيه أسوة لكــل زنديــق ويلخص الشيخ ماء العينين طريقته في قوله : اسمع ولا تغترر وما أقول فــع إن الطريق إلى الإله بالـــورع (...)وذي طريقتنا خذها، وضابطها ما استحسن الشرع، لا سواه فاتبع.. ويقول ابنه وتلميذه الشيخ محمد الإمام:"كان شيخنا الوالد رضي الله عنه، يحضّ على اتباع ظاهر الشرع والمتواتر من النصوص، ولا يحب الخلاف في الدين، والتعصّب للآراء والجدال،
وكان لا يحجر على أحد في أمر يجد فيه وجها شرعيا للجواز" ويقول: "وكان[الشيخ ماء العينين] كثيرا ما يقول أنه لم يرد عن الشارع الأمر بلزوم ذكر واحد وترك ما سواه، ولا التزام نوع من الطاعات غير الفرائض، لزوما يكون تاركه آثما أو في حرج من تركه" ويقول متأسّفا مما حاق بالطريقة من البدع: "وانظر كتب شيخنا الوالد رضي الله عنه ونحوهم من المشائخ المحققين، ولا شك إن الطريقة اعتراها بعد ذلك كثير من الخلل والفساد في هذه الأزمنة الأخيرة، فاختلط الحابل بالنابل، (...) فشوّهوا اسم الطريق بمسائل تشمئز منها القلوب من خزعبلات واضحة البطلان" ويرى الشيخ محمد الإمام أن التوحيد أساس التصوف، يقول : هذا ولا تغفل عن التوحيـــد فالـ ـأشياء عند مشيئة الرحمـــن (...)هذّب فؤادك واشتغل بصلاحـه لتزول عنه شوائـــب الأدران (...)ومتى صفا بالذوق قلبك تنطبع في دفّتيه حقائــق الأكــوان والفاضلية لا تتميّز بأذكار وأوراد تلغي ما سواها وتغدو في حكم الفرض، إذ تتّسم بمرونتها في ما سوى السنة، ذلك أن "من لم تسعه السنّة لم تسعه البدعة" ، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم تكون "بمتابعته وسلوك سبيله قولا وعملا وخلقا وحالا وسيرة وعقيدة"
ويرى شيوخ الفاضلية أن المربّي المرشد يجب "أن يكون أكبر همّه تسليك السالكين لا جمعهم حوله لتصرف وجوه الخلق نحوه بسببهم" ، فوظيفته إشاعة الخير والدعوة إليه حسب مقتضى الشريعة ومجانبة البدع والأهواء .
منهج الشيخ
وقد كان الشيخ محمد فاضل، وتلامذته من بعده، يجسّدون قيمة العمل داخل المجتمع، فلم يكن تصوفهم انعزالا ورقصا وخرافات، وإنما مدار طريقتهم إصلاح النفس والأمّة بتقوى الله تعالى، وهو ما تجسّد علما وعملا، تمثل في إنتاجهم الفكري في مختلف مناحي المعرفة، وانخراطهم في التوفيق والصلح بين القبائل والجهاد ضد الاستعمار، وغير ذلك مما يدلّ على أن الفاضلية لم تعد كونها تجديدا للسنة النبوية الشريفة . وهو المنهج الذي سلكه الشيخ محمد فاضل ورسّخه في نفوس تلامذته، فأينع من قبلهم ثمرات مختلفا ألوانها، تنحو نحو تجديد التصوّف، بناءا على مقاصده وأصوله .
سيد عثمان

الخميس، 6 ديسمبر 2012

الشيخ ولد سيدن ولد حمادي

سيدامحمد ولد الشيخ ولد حمادي

من أعلام المدرسة الكنتية المعاصرين /الشيخ بن سيدن بن حمادي الكنتي
الحمد لله الذي جعل للعلم حملة عدولا و بوأهم مكانا عليا و حصَر خشيته عليهم فقال جل وعلا(انَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) كما بين صلى الله عليه وسلم عدالتهم كما في الحديث عن إبراهيم بن عبد الرحمن العذري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين " . رواه البيهقي. و من بين حملة العلم في هذا الجيل عالم رباني يتحاشى الأضواء ووسائل الإعلام لم يظهر أبدا على  شاشة تلفاز ولا تكلم في مذياع و لا في شريط نبذ الدنيا وراء ظهره و اشتغل بما خُلق له ، لم يرض عن حياة المدينة فاستوطن البادية ، تحديدا في مكان يسمى عريظ على بعد 30 كلم شرقي مركز مال الاداري بولاية لبراكنة.
لم يضع لبنة على لبنة رغم مراودة بعض التلاميذ له ببناء دار له يقطنها فكان يجيبهم هيهات هيهات إنما أنا مسافر تكفيني شجرة وعما قريب سأظعن عنها.
نسبه و مولده و نشأته
إنه الشيخ بن سيدن بن حمادي الكنتي المولود في حدود 1925 بضواحي مقاطعة مكطع لحجار بولاية لبراكنة ،من ابوين صالحين .فنشأ و تربى في بيت علم و صلاح و عز و سخاء والده : سيدى محمد الملقب ( سيدن ) ولد حمادي ولد باب أحمد ولد امحمد ولد زين العابدين الملقب ( بكر الطهارة ) ولد الشيخ سيدي المختار الكنتي.وأمه : فاطم بنت سيد امحمد ولد البكاي ولد باب أحمد ولد الشيخ سيدي المختار الكنتي .
رحلاته العلمية :
1-    رحلته العلمية داخل منطقة آفطوط
تلقى مبادئ العلوم الشرعية في محظرة والده سيدي محمد ولد حمادي الملقب ( سيدن )الذي يعد من أبرز أعلام العلم و التصوف و الصلاح و السخاء و الفطنة و الذكاء. و كان شيخا مربيا ضربت إليه أكباد الإبل من كل حدب و صوب لزيارته و الأخذ عنه ، فكان مرشدا و معلما و مربيا من الطراز الأول توفي سنة 1968م رحمه الله ، دفن شرقي مركز (مال الاداري ) قرب مكان مأهول بالسكان الآن يدعى ( لكويسي أو اصليليحة ).
و بعد أن حفظ الشيخ القرآن في محظرة والده و قرأ بعض الكتب الفقهية و النحو و السيرة النبوية ، تاقت نفسه للرحلة في طلب العلم خارج المنطقة فالتحق أولا بمحظرة أواه ولد الطالب ابراهيم التاگاطي بضواحي مقاطعة مكطع لحجار، ثم عمل الرحلة إلى حافظ المذهب - مالك زمانه و سيبويه عصره و أوانه لمرابط: أباه ولد محمد الآمين اللمتوني وتقع محظرته في الحدود الشرقية لولاية لبراكنه وعلى الغرب من ولاية تكانت ، عرف بكثرة العلوم و الطلاب وقد حدثنا الشيخ أطال الله بقاءه و متعنا به عن شيخيه  فيقول : ((لا أعلم أحدا في آفطوط أكثر علما من لمرابط (اباه ولد محمد الآمين اللمتوني . ولا أعلم أحدا في آفطوط أشد ورعا من لمرابط (أواه ولد الطالب ابراهيم التاگاطي) ، ثم يردف قائلا (( لمرابط أواه رجل صالح)) .ويقول ((زمني في التلاميذ عند شيخي لمرابط أباه ولد محمد الآمين كان كثيرا ما يقد مني للصلاة بهم رغم حداثة سني)) .
2-    رحلته الى مدينة ولاته
ثم انتقل وشد الرحال الى مدينة ولاته طالب علم ، قال وجدت بها محظرة زاخرة بأنواع العلوم الشرعية و شيخنا المدرس بها يدعى: شيخنا امحمدي ولد سيدي عثمان الولاتي لا يرد لوحا عبارة عن كثرة معارفه ووجدت بها رجلا من أولاد بوسيف يدعى الشيخ سيدي محمد ولد عابدين ولد حيبلل الولاتي عالما جليلا و محدثا لا يباري في الحديث وهو حموى الطريقة ، و عندما وصلت محظرة ولاته علم بي فأتاني و طلبني بالذهاب صحبته إلى داره و كانت قريبة من المحظرة ، فقال لي هذه البلاد ليست آمنة إشارة منه إلى الحرب التي دارت رحاها بين تنواجيو من جهة و تلامذة الشيخ حماه الله من جهة ثانية بل كادت أن تكون حربا عقدية بين المحسوبين على الطريقة القادرية والمسوبين على الطريقة الحموية لولا عناية الله تعالى بعباده المومنين ولطفه حيث خمدت نارها ونزع فتيلها فرجع الناس اخوة كما كانوا قبلها.
ويذكر الشيخ أنه لما توفي العلامة المحدث الشيخ سيدي محمد ولد عابدين ولد حيبلل الولاتي رآه بعض مناوئيه من علماء وصلحاء تنواجيو في النوم وقد حضره ملائكة العذاب وأ، الشيخ سيدي المختار الكنتي جاء يحمل ربقة فقال مخاطبا ملائكة العذاب لدي ربقة اذا دخل رأسه فيها فأنا ذاهب به وان لم يدخل فشأنكم به قالوا فقاسها عليه فدخل فيها رأسه وذهب به الشيخ فأعتقدوا أنها ربقة الاسلام.
قال وقد لقيت بولاته (اگيگ ولد أبّ عمُرالولاتي) وكنا وقتها نصلي في المسجد فلما قضيت الصلاة سألني عن هويتي وقال ضمن كلامه أنت رحالي؟- رغم إني لم أسمع بتلك الكلمة  لكن فهمت أنه يعني أهل البادية - فقلت : بلى لكن علمت أنه غير راض عن تواجدي في محظرة ولاته وهو صاحب الحل و العقد بها ، لكن كنت مصرا على أن لا أفارق التلاميذ في المحظرة ، ثم ألح علي المحدث البوسيفي الكنتي الحموي أن أغادر المحظرة و أسكن في داره قائلا لا آمن عليك إذ يرى أن حياتي معرضة للخطر – وليس في المدينة أكثر مني علما ،وسأعلمك فلم أكترث بما قال ولم استجب لطلبه وبقيت في المحظرة بين الطلبة وخلت تعاطفا غير معلن معي من طرف شيخ المحظرة شيخنا امحمدي ولد سيد عثمان الولاتي.
هذا وقد مكث الشيخ  في محظرة ولاته سنين لا أحصيها بالتحديد حتى أكمل دراسته وصار عالما و شاعرا .
بعض المرائي والطرف في ولاته
سمعته يقول - أطال الله بقاءه ومتعنا به زمنا طويلا- : زمني في محظرة ولاته كنت كثيرا ما أبيت عند ضريح جدنا الشيخ سيدي احمد البكاي الكنتي أقرأ القرآن وأراجع ما قرأت ، وكنت ألاحظ عند ضريحه اعتدالا في الجو فلا أحس بالبرد زمن البرد ولا بالحر زمن الحر. واتفق أن رأيته ذات ليلة في النوم فقلت يا شيخ أنا مقيم بمحظرة ولاته ومعي محمد الآمين بن سيد أبّ  كلانا طالب علم. و رجائي أن تضمننا على الله تعالى فقال لي الشيخ سيدي أحمد البكاي - وأنا في النوم طبعا – أعنّي بتقوى الله  فرددت عليه إذا إتقيت الله تعالى فلا حاجة لي فيك .
وكان أطال الله بقاءه و متعنا به إذا قص هذه الرؤيا علينا يضحك واضعا يده على فيه كعادته وتسيل دموعه على لحيته حتى تخضل لحيته.
قال: وكنت نائما ذات ليلة عند الشيخ سيداحمد البكاي فإذا بامرأة عليها ملحفة سوداء قشيبة فمدت يدها بالسلام علي فقلت لست لك بمحرم قالت أوما تعرفني ؟ أنا ام المومنين بنت سيد الامين قلت لا أعرف هذا الاسم قالت تقولون لي أمّنْ بنت سيد الامين قلت حقا أختي في الرضاعة فسلمت عليها وسألتها قائلا عهدي بك مع أهلنا في "أگان" منطقة شمال مگطع لحجار قالت توفيت بعدك فنقلني الشيخ سيداحمد البكاي الى هنا قال فلما أصبحت كتبت تاريخ الليلة محددا الشهر والسنة فلما رجعت الى الاهل بولاية لبراكنة سألت عنها فقالوا توفيت رحمها الله فسألتهم عن تاريخ وفاتها فأخبروني به فإذا هو التاريخ الذي رأيتها فيه.
وسمعته يقول أيضا كنا دولة : يعني جماعة تدرس فنا واحدا ، أنا و محمد الآمين التنواجيوي ، ومحمد الآمين بن سيد أبّ الكنتي ، فطرح علينا أحد الولاتيين مسألة في الفقه فأفتيناه بمشهورالمذهب المالكي ثم ذهب إلى أحد أعيان علماء ولاته وكان عالما جليلا محدثا يدعى المرواني ولد اهل أبّ الولاتي ، فسأله عن المسألة التي سألنا عنها فأفتاه بخلاف ما قلنا فقال له السائل عندي فتوى تخالف ما أفتيت به فقال أعلم أنها صادرة عن "أطليبت اخليل" بالتصغير يعني طلبة الشيخ خليل ، فأنهى إلينا أحد الحاضرين الخبر فوجدنا على الشيخ المرواني الولاتي ، وقال محمد الأمين بن سيد أبّ - و كان رحمه الله عنه آية في العلم و الحفظ و الفهم - الصواب ما أفتينا به و ما قال المرواني خطأ لا يلتفت إليه فوقع سجال بيننا وبين المرواني في المسألة ،فلما نمت تلك الليلة وجدت فيما يرى النائم مالكا بن انس و أحمد بن حنبل و أبا حنيفة و الشافعي فقالوا لي إتركوا المرواني لا تتعرضوا له  ما قال إلا حقا ونحن جميعنا متفقون وليس بيننا خلاف يذكر.
وسمعته يقول أطال الله بقاءه أدركت رجلا في مدينة ولاته يسكن منفردا وهو بهلول تصفه العامة بالجنون وذات يوم عزمنا بعض الولاتيين – نحن طلبة المحظرة – فلما وقفنا بالباب مستأنسين ننتظر الاذن من صاحب الدار إذا بالرجل البهلول يحمل قصعة كبيرة فسأله بعض التلاميذ عن مهمته فقال أريد ماء لأًغسّل به لأني مفارق للحياة الساعة فضحك منه الطلبة فقالوا مازلت على الحالة التي عهدناك بها فقال لست هازلا لكني ميت الساعة فناوله أهل الدار الماء فالتفت الي وقال لي : الشيخ أدركني فإنني ميت وأريدك أن تحضرني وكنت أتوضأ وقلت لا يفصلني عنك إلا أن أتم وضوئي وأستأذن أهل الدار الذين عزمونا فأتممت وضوئي وذهبت اليه فإذا به سبقني الى مكانه وقد وضع إناء الماء عند رأسه وسجّى جسمه برداء فسلمت فلم يرد علي فجلست وكشفت عن وجهه فإذا به قد فارق الحياة فأنعيته الى الناس وجهزناه وقمنا بتشييعه رحمه الله .
هذا وكان لي مع البهلول في حياته قصة من الطرافة بمكان وذلك أني لما أصبت بمرض ألم بي فنصحني بعض الناس بشرب لبن البقر الساخن فسمع البهلول بالخبر فدعاني فأتيته فقال لقد وجدت عليك لأمر فعلته وغاظني قلت: ما كان ينبغي لي أن أغيظك ولا أعلم شيئا عن الامر قال أنت مريض ودواؤك لبن البقر الساخن وأنا عندي بقرات حلوب وليس معي أحد وعدم طلبك مني الدواء أغاظني عليك والآن لا يزيل ذلك عني إلا أن تداوم كل ليلة على المجيء الي لتشرب اللبن عندي فقلت أفعل ان شاء الله فأتيته المرة الاولى فلما شربت اللبن سمعته يقول سرا هذه البقيرات لايذوق طعم لبنها أحد إلا غلبته نفسه عن الاستقرار عنه لشدة حب لبنها على الناس فصرفت نفسي عن ذلك كأني لم أسمعه فأتيته في الليلة الثانية فسقاني على عادته ثم قال لي : أتعلم أني أحبك أكثر من غيري قلت اللهم نعم قال أتعلم أني لا أحب أحدا في ولاته كحبي لك قلت نعم قال وتثق بقولي وتسمع نصيحتي قلت نعم قال هذه البقرات التي ترى لا يداوم أحد على شرب لبنها إلا مات سريعا وقد جرب ذلك وصح وهذه نصيحتي لك فعلمت أنه لا يريدني بعدها فأنهيت الأمر.
العودة الى الديار
 يقول الشيخ : لما أنهيت دراستي طلب مني بعض الأعيان المقام في ولاته على رسم القضاء بين الناس فسكنت نفسي لذلك ، فلم أنشب حتى وصلني رسل والدي ،سيدن بن حمادي قادمين من ولاية لبراكنة، فقلت ما وراءكم فقالوا أرسلنا الوالد سيدن لتأتي معنا. و الرسولان هما أخي الآكبر : حمادي الملقب ( احميدي ) وأحمد لمرابط بن ابراهيم فال البصادي من أهل "ابيرألبن" بضواحي بوتلميت و كان تلميذا لوالدنا و قد قرأت عليه القرآن قبل ارتحالي عن الأهل ، و هو عالم جليل تقى نقي صالح لا يكاد يوجد له نظير لسانه رطب بذكر الله مستقيم زاهد ورع رحمه الله تعالى توفي في حدود 1995 ناهز المائة . ولما أنهيا إلى الخبر بطلب الوالد بالرجوع استخرت الله و استشرت رجلا وجدوني نازلا عنده من قبيلة ( لحمنات )  وكان رجلا لبيبا عاقلا يدعى : سيد امحمد ولد لخلاگة بكاف معقودة فقلت له على ديْن و هؤلاء رسل الوالد كما ترى فقال الرأي أن تلبى دعوة الوالد و الديْن على قضاؤه كاملا ، فاتصل بالدائنين ووفاهم حقهم كاملا على أحسن ما يرام .ثم سرنا قافلين إلى حيث مضارب حي الوالد في لبراكنة.
منهج الشيخ ومدرسته الاصلاحية:
كان مدرسة في هديه و سمته و دلّه : قدوة في الزهد و الورع و الاستقامة و التقوى و خشية الله تعالى ،مدرسة في الأخلاق و الإنفاق و بذل المعروف و الإرشاد و إصلاح ذات البين و سلوك منهاج السنة و الإقبال على الله بالكلية يكره البدعة و يتحاشى المكروهات و يواظب على السنن و المندوبات ، و مدارسة القرآن له حزب يومي من القرآن يقرأ ثلاثة أحزاب كل يوم في حله وترحاله وصحته ومرضه ، لا يدعه إلا اذا اشتد مرضه ، فإذا أحس بعافية استأنفه كان رفيقا بالضعفاء مشفقا على خلق الله حتى البهائم يظل زمن الحر  يضع الماء تحت الشجر للطيور البرية و في جانب البيت (الخيمة).
    مدرسة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحياء نهج السلف الصالح مدرسة في التواضع و العفة والكرامة و التودد إلى الناس يعرف الفضل لذويه لا يغتاب عنده أحد و لا يزدري أحدا و لا يتطاول ولا يتفاخر ، ولا يبطر غاضا للبصر يمشي على الأرض هونا مطأطئا رأسه ، وربما جعل يديه وراء ظهره لا يفتر عن التسبيح في جميع أحيانه لا يقهقه في ضحكه جل ضحكه التبسم وإذا ضحك وضع يده على فمه جاعلا سبابته بجانب أنفه يداعب الصبيان و ويباسطهم و يسابقهم. مكرما للضيوف و الجيران ينفق ما عنده ابن وقته لا يكترث بما مضى ولا يأسف على ما فاته ولا يفرح بما أوتى ولا يتشوف للمستقبل مداوما على قيام الليل كثير التفكر.لا يرى لنفسه خصوصية ،أتذكر ذات يوم وكان يوما شديد الحر وأنا مضطجع بجانبه و معنا بعض تلامذته إذ جاءت فرس لنا تريد الماء فلما أبصرها قام إليها وأخذ إناء وحل القربة فنهضت إليه فقلت له لو نبهتنا فنحن أولى بذلك فقال ما الفرق بيني و بينكم وكان يكرم الخيل وهي أحب الحيوان إليه ويقول الاثر (الخيل معقود في نواصيها الخير) .
محافظا على مواقيت الصلاة رغم أنه لا يرتدي ساعة ولا يقتنيها ولا يستمع إلى مذياع و مع ذلك لا يدخل الوقت إلا أحس به فكان أول من ينبهنا على الوقت فيقول أذنوا الوقت دخل آنفا فأنظر ساعتي فإذا به كما قال وكنت أتعجب  لذلك وربما كان نائما فإذا دخل الوقت فتح عينيه الكريمتين وقال الوقت دخل آنفا ، رغم انه لا يستمع إلى مذياع كما أسلفت و مع ذلك حريص كل انتهاء نشرة اخبار على سؤالنا عن أحوال المسلمين في أقطار الدنيا يواكب الأنباء ويدعو دائما للمسلمين بالنصر والغلبة والتمكين على أعدائهم .
لا ينبهر بالحضارة ولا يلتفت إلى شيء من متاع الدنيا ، وكثيرا ما يقول : الدنيا غدارة مكارة ظاهرها سرور وباطنها ويل و ثبور ويقول الدنيا إنما خلقت للزوال فهي دار امتحان لا دار بقاء فتزودوا منها للدار الآخرة التي هي الحيوان ، فالويل كل الويل لمن اغتر بالدنيا وركن إليها و اشتغل بها و نسى ما خلق له وهو معرفة الله وعبادته وإنما الدنيا مطية الآخرة لمن أحسن ركوبها ، (فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ).
ويحثنا دائما على تقوى الله ، ويقول ما عند الله خير و أبقى وما عند الله لا ينال إلا برضى الله ويقول (العاقل من لا يدخل نفسه في أمر يكره أن يأتيه الموت بغتة وهو متلبس به)، ويقول (العاقل من أغلق باب الشر كلية وفتح باب الخير فجعل فيه ما استطاع إليه سبيلا ).
ويحثنا على طلب العلم لوجه الله تعالى وتعاهد القرآن ، وإذا جلس أحدنا عنده قال خذ تفسير كذا واقرأ لنا من الآيه كذا ، وربما شغلنا طيلة اليوم بالمطالعة وربما نام فإذا استيقظ قال توقفت عند كذا فأتمم لنا وتارة يأمرنا بالبحث في قواميس اللغة مع انه كان مرجعا في اللغة ، لكن يريد أن يعودنا على المطالعة و الاشتغال بالعلم .
تأسيس المحظرة
لما انهى دراسته و رجع إلى موطنه الأصلي أسس محظرة فقصدها بعض الطلبة ، و جلب بعضا من الطلبة من دولة السنغال و بالتحديد قرية أهل بو نعامة الكنتيين و تسمى (انجاصان) قرب ولاية تواون .وكان يأخذ أساتذة القرآن لتدريس أبناء الحي قبل أن يرزق بأولاده الأربعة  وهم  حمادي ،و سيدي المختار و سيدامحمد و سيدي حيبلل و عقلت أنا عليه يدرسنا الفقه و النحو و السيرة النبوية و الشعر الجاهلي ، ويفرض لمعلم القرآن راتبا و لباس عياله كل عيد و نفقته و نفقة عياله بقدر من الزرع يحدده بعض في الشتاء و بعض في الصيف و ناقة أو بقرة حلوبا.
أوفد إليه زميله محمد الأمين الشيخ التنواجيوي من عرضوا عليه أن يتبع محظرته لمدارس ابن عامر ففعل و طلب منهم فتح مدارس قرآنية لبعض الجيران و الأخوة ففعلوا و سموه مفتشا عاما . ثم بعد ذلك أعلن لهم استقالته قائلا لا وقت لي و تخلى عنها .
مؤلفاته وانجازاته العلمية :
1-  تحفة الحميم في ذكر بعض ما تشير اليه حروف بسم الله الرحمن الرحيم و بهامشه ملتقطات لصاحب الكتاب تجلى الخفي و تؤيد الجلي .
2-  رسالة في التصوف الى مريده سيدي امحمد ولد عابدين الكنتي ( ابوه ) مخطوط بخط التا ولد الشيخ عبد الرحمن الاجيجبي
3-  رسالة في حكم تمدرس البنات
4-  شرح قصيدة له تتعلق بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر مخطوط
5-  رسالة جوابية في التصوف لأحد مريديه بالمغرب يدعى محمد المختار ولد سيد أب الكنتي
6-  رسالة لمحمد الآمين الشيخ التنواجيوي تفسير رؤيا طلب من الشيخ تفسيرها/ مخطوط
7-  عجالة تحث على اصلاح ذات البين
8-  عجالة في السياسة رد بها على القاضي المحلى محمد بن سيد اوبك الكنتي
9-  نظم للسجود في القران
10-        ديوان شعر تتوزعه أغراض التوسل و الرثاء و النصيحة و الآمر بالمعروف والنهي عن المنكر الى غير ذلك .
بعض من أخذوا عنه :
أخذ عنه خلق كثير منهم على سبيل المثال لا الحصر :
1-  الشيخ و الاستاذ باب احمد بن حم الأمين ولد الشيخ سيدي المختار الكنتي رحمه الله تعالى كان قيما على زاوية الشيخ سيدي المختار الكنتي بنواكشوط و إماما لها قبل أن يجاور بمكة المكرمة زادها الله شرفا .وبها توفي في فبراير 2012 و دفن بجوار والدته بالمعلى وكان فقيها زاهدا و رجلا صالحا و مدرسا نظاميا.
2-   الشيخ  سيدي محمد ولد سيد اعمر الركادي الكنتي
3-  محمد يسلم ولد شماد المتغنبري برلماني سابق
4-  الشيخ سيد امحمد ولد الشيخ ولد عابدين ( ابوه ) ولد الشيخ سيدي المختار الكنتي
5-  محمد المختار ولد سيدي اب الكنتي ( لعيون المغرب )
6-  باب ولد الخليفة ولد الشيخ سيدي المختار الكنتي
7-  خديجة بنت سيدي  الآمين البوسيفية   الكنتية
8-  البكاي ولد سيدن ولد سيد أعمر ولد الشيخ سيدي المختار الكنتي
9-  ابنه : سيدامحمد ولد الشيخ ولد سيدن ولد حمادي
10-        اسلم ولد الشيخ الناجي ولد الشيخ محمد فال الآديلكي
11-        الشيخ ابا ولد التا ولد الشيخ عبد الرحمن الاجيجبي
12-        الشيخ جوب من قرية انجاصان سنغال
13-        سيدي بابو سنغال
14-        عبد الرحمن بن بونعامه سنغال
15-        سيدي المختار بن ابو بن بونعامه سنغال
16-        سيدي يحي بن ابو بن بو نعامة سنغال
17-        حمادي ولد باب احمد ولد عابدين
18-        باب ولد الشيباني
19-        محمد ولد شيخنا ولد الشيخ ولد عابدين
20-        محمد ولد الشيخ ولد البكاي ولد عابدين
21-        بدو ولد السالك الدماني
22-        احمد سالم ولد حبيب الله الفلالي
23-        ديدي ولد ادويسو (عبد الله)
و غيرهم كثير و من قبائل شتى أعرضنا عن جلبها خشية الإطالة
بعض كراماته رضى الله عنا و عنه و متعنا ببقائه زمانا
أجرى الله على يديه كثيرا من الكرامات و الخوارق و المكاشفات و استجابة الدعاء . و من ابرز كراماته :
·       الإستقامة في الدين و متابعة السنة مع كرهه الشديد لألوان البدع و مخالفة السنة .
·       و منها ما أخبرني به محمد الآمين الشيخ التنواجيوي مؤسس مدارس ابن عامر رحمه الله تعالى ، و كان صديقا حميما للوالد الشيخ قال كنا في محظرة ولاته و كنت أصغر منه سنا وكنا إذا أقرأنا أستاذنا الدرس أخذ بأذني و خرجنا إلى فضاء فيراجع لي ما قال أستاذنا و يفيض علي بما لم يقله الشيخ مما فتح الله به عليه. ومما شاهدت منه أننا كنا ذات ليلة في غرفة من المحظرة و معنا تلميذ آخر و قد نمنا عن نافذة مفتوحة فلما تأخر الليل إذا بدابة بشعة فظيعة المنظر لم أر مثلها بشاعة و فظاعة فقصدتني فلم استطع كلاما ولا حراكا فعمد الشيخ و جعل يحول بيني وبينها فانزاحت عني و قصدت زميلنا وأنا أنظر فغطته ، فلما أصبحنا  إذا بزميلنا قد فارق الحياة فقلت للشيخ لقد أغثتني و أجرتني بفضل الله و نجيتني بقدرة الله من موت محقق قال أو أبصرت ذلك قلت نعم قال اسكت ولا تبح بهذا الأمر لأحد .
·       وسمعته أطال الله بقاءه و متعنا به زمانا، يقول أياما كنا في محظرة ولاته أصيب محمد الأمين بن سيد اب الكنتي بوعكة صحية فصعد ذات  ليلة على سطح الغرفة و جعل يرتل القرآن و كان قارئا حسن الصوت فجعلت استمع لتلاوته و أنا خارج الغرفة فإذا بظلة كأنها مزن و فيها مصابيح مضيئة تتدلى عليه و إذا توقف عن القراءة ارتفعت فقلت الحق به فأسأله هل رأى شيئا فسألته فقال لم أر شيئا فأعتقدت أنها السكينة ،
·       و سمعته يقول كنت مسافرا إلى أخوالنا أهل "محنض نالله" ( بطن من أولاد أبييري ) بضواحي بتلميت الآن هم أخوالنا لأن والدة الجد : سيدي محمد بن حمادي ( الملقب سيدن) منهم وهي تدعى محجوبة بنت ابن عمر.قال وكان معي رجل من أهل "محنض نالله"  يدعى الديش ،  و كان في الظاهر صاحب دعابة و هزل و إذا نام بجنبي وغط في نومه سمعت لسانه يرتل القران كأحسن ما أنت سامع وذلك فضل الله يؤته من يشاء ، فبتنا ذات ليلة بخلاء من الأرض و إلى جانبنا مقبرة فلما أصبحنا طلبنا رواحلنا فلم نعثر لها على أثر و كان الزمن  زمن صيف و حر شديد و ماؤنا قليل فجلست أنا أحرس متاعنا و ذهب الديش و زميل لنا أخر في طلب الجمال فلم يجداها و كلما آتوني منعتهم الماء و طلبت منهم تكثيف البحث عن رواحنا فذات مرة غابوا عني فاستبطأتهم و كنت مستقبل القبلة على جهة أرى منها المقبرة ، فلاحظت أن شخصا يحاول الخروج من  قبره فانشغلت في التفكير هل هذا ممكن ، ولم أصب بوحشة  فانسل الرجل من القبر و عليه ثياب و أنا أنظر إليه فقصدني فلما وقف على سلم فرددت عليه السلام ، فقال أريد منكم صالح الدعاء فأجبته لست على مركوب ذلك . أي لست على استعداد لذلك قال و لم قلت ضلت رواحلنا و نفد ماؤنا و الحر كما ترى ولا علم لنا ببئر  قريبة أو أناس فقال الآمر سهل ادع الله لنا و إذا أتاك صاحباك فقل لهم الرواحل وراء تلك الأكمة و على هذا الاتجاه  و أشار بيده بئر يقطنها أناس غير بعيدين عنها و سترون أهل  السقاية عند البئر فلما قفل قومي قلت لهم ابحثوا وراء تلك الأكمة فامتنعوا لشدة تعبهم فقلت خذوا بقية الماء و اشربوا و انظروا ما قلت لكم ففعلوا فوجدوها كما نعت ، و ذهبنا إلى الجهة التي أشار إليها فإذا بالبئر و عليها أناس يسقون و أ تينا الحي الذي ذكر فسألتهم عن تلك المقبرة فقالوا تلك مقبرة بها رجل منا صالح ( من أولاد أبييري ) فتعجبت لذلك.
·       قال مقيده عفى الله عنه أتذكر ذات يوم و أنا بالغ و عندنا قطيع من الإبل فأصبح راعيها عاجزا عن رعيها و قد ذهبت ترعى لوحدها فلما ذهب بعض النهار ناداني الوالد الشيخ بن ،سيدن بن حمادي فلما أتيته قال هيا بنا لنرد الإبل فذهبت معه و جعلت أسير خلفه فلما ابتعدنا عن الحي إذ فقدته فجعلت أسير ابحث عنه في كل الاتجاهات علني أجد أثرا له فلم أر شيئا و كان المكان قاعا صفصفا لا ترى فيه عوجا ولا أمتا ، فلما يئست هممت بالرجوع إلى الحي فإذا به أمامى يقول هيا بنا ، فلم يلو يمينا ولا شمالا حتى دخلنا في غابة كثير شجرها و بها شجر العشر(تسمى بالمحلي تورجه ) و إذا بالقطيع في تلك الغابة يرعى العشب فتعجبت لذلك لكني لم أتجاسر على سؤاله مهابة له .
·       و حدثني من أثق به و هو من تلاميذ الوالد يسمى محمد سالم ولد الكوري، قال أصابتنا سنة ندرت فيها المياه و نفد المرعى فذهبت أبحث عن قطيع بقر ضل منا و كانت فترة صيف فوجدت القطيع و بت عند الشيخ فلما اتضح النهار ذهبت أسوق القطيع و ذهب الشيخ يودعني فقلت هذا القطيع أضناه العطش ولا ماء دون مركز مال الإداري على مسافة 30 كلم ولا أرضى بمفارقتك حتى أجد ماء أو تظل معي فلم يجبني و جعل يحدثني حديثا أخر فلما خطونا خطوات دخل القطيع في ماء و جعل يشرب فقال لي الشيخ استودعتك الله و رجع فلما امتلأت بطون القطيع و خرج من الماء سرت به قليلا ثم قلت أرجع لأغتسل في الماء فلما رجعت إذا به قاعا صفصفا يابسا لا نبع فيه ولا أثر للماء.
·       ومن ذلك ما  قصت علينا الوالدة  زوجه زينب بنت الشيباني  ولد باب ولد سيدي المختار ولد البكاي ولد باب أحمد ولد الشيخ سيدي المختار الكنتي . و أمها مريم الملقبة ( امروم ) بنت الشيخ محمد فال الاديلكية قالت كنا على فراش النوم فوقف علينا رجل و سلم فرد عليه الشيخ السلام و تحدث معه  قليلا و ذهب فقلت من هذا الرجل قال وهل سمعت كلامه قلت نعم قال ذاك زميلي محمد الامين بن سيد اب الكنتي يخبرني بأمر إستشكلته وكان قد توفى قبل ذلك بكثير بولاية تكانت ، رحمه الله تعالى .
·       وسمعتها وأنا أعقل القصة التي تحكي قالت أصبت بمرض عبارة عن بثرة في رأس الورك  وكنت جسيمة وبدأ الآكل سريعا في وركي فحملوني الى مستشفى كيهيدي في سيارة القاضي سيد أحمد ولد أحمد الهادي التمدّكي رحمه الله  وذلك سنة 1971 وفي المستشفى أطباء فرنسيون فحاولوا علاجي وإيقاف الأكل فعجزوا وعقدوا إجتماعا وأجمعوا على رفعي الى انواكشوط أو الى دكار وأنهى إلينا أحد الأطباء الموريتانيين ان الأمر مستعجل لأن ا لأكل قارب عظم الورك ، ولا يمكن الذهاب إلا في الطائرة ، فبكيت خوفا من ركوب الطائرة وقلت لا يفصلني عن الموت إلا أن تركبوني في الطائرة فإني أخاف من ركوبها خوفا شديدا فالتفت الشيخ الى أخي سيد امحمد بن الشيباني و إلى إبني الأكبر من غيره البكاي بن ،سيدن بن سيد أعمر رحمهما الله وقال دعوها هنا فإني سارقيها وقد دعوت الله لها بقصيدة توسلية منها :
فنج من الاسهال و الكُـــــــلًرا                ودمل و الجُريْحَ ربّ إكف وباه.
و منها :
فجدلي بخير يا رحيما بخلقه                    فمــــالي يا رحمان دونك جــاه
فأنت الواسع الجود عدتــــي                   فهب  لي  اذا جـدا يـــدوم جـداه

 وهي طويلة في ديوانه الذي ما زال مخطوطا .

قالت فما تم علينا أسبوع حتى توقف الأكل بدون علاج وبدأ الجرح يجف فاخذوا وساطة للطبيب الفرنسي ليكشف على الجرح فلما كشف عنه ورأى بوادر الشفاء ضرب رأسه كالمتعجب ، ثم صار يأتيننا بصحبة أولاده الصغار ويجلس معنا تحت الخيمة التي ضربنا بساحة المستشفى ، فكان ذلك بداية شفاء الوالدة ببركة دعاء الشيخ الوالد وطلبه لربه ثم رجعنا الى أهلنا .
·       قال مقيده عفا الله عنه سمعته يحكي ذات يوم يقول ضل منى بعير فأنهى إلي أحد خبرا أنه رآه في الشمال عند حي من أحياء التنمية فبحثت عن من يرافقني لأني لا أهتدي في تلك الأرض فعزّ علي فتوكلت على الله وسرت لوحدي أحمل زادا و قربة ماء على راحلتي فلما غاب عني الحي إذا براكب يحث راحلته نحوي فسلم فرددت عليه السلام و بادرته بالسؤال أين وجهتك؟ فسمى لي الحي الذي أقصده فقلت أو تهتدي عليهم قال نعم قلت إذا أرافقك .وكان لا يحمل زادا ولا ماء ، وإذا أنخنا للمبيت أو القيلولة بادر إلى راحلتي وحل رحلي ثم يذهب إلى راحلته ويحط عنها و يذهب بالراحلتين ويقيدهما وإذا أردنا الرحيل جلبهما و شد على راحلتي أولا رحلي ثم يقصد راحلته ودمنا على ذلك وأقوم أنا بتحضير الزاد و أضعه بين يديه ولا أتذكر أني رأيته يأكل لكوني أظنه شخصا عاديا فلا أتفطن لأكله و كما أني لم أجده يشرب من قربتي ودام سفرنا على تلك الحال ، فلما أشرفنا ذات يوم على الحي الذي كنا نقصد لاقيت راعيا من الحي فسلمت عليه وسألته عن ضالتي فقال هي في  الحي الذي أمامك تركتها في المراح قلت وهذا الرجل تعرفه فقال سم الله فليس معك رجل قلت كان معي رجل على جمل وكان يقصد الحي معي ، فقال أنا أبصرتك من بعيد تحث راحلتك وليس معك أحد فتعجبت لذلك .
·       قلت وكان مولعا بحج بيت الله العتيق رغم عدم إستطاعته واتفق ان حجت تلميذته خديجة بنت سيدي الامين الكنتيه من أبناء أولاد (بوسيف) وهي صالحة فقالت وجدت الشيخ في "منى"مع رجال لا أعرفهم وكنت مَحْرَما له فسلم علي ووضع يده على منكبي وسأل عن حالي لكن لاحظت في وجهه كراهة طول المقام معه و ربما يرجع ذلك للرجال الغرباء الذين معه ولما رجعت من الحج سألت عنه ابنه الاكبر حمادي وقال لم يحجّ قالت:أنا لقيته في "منى" قال :لم يحجّ فذاع الخبر حتى وصل الشيخ ولم يستطع أحد أن يسأله عن الأمر فما لبثنا أن جاءت خديجة المذكورة الى الحي ونزلت عند خيمة في قرية الشيخ فقصت الخبر على الناس فلما كان المساء قدمت على الشيخ للسلام فانفرد بها جانب البيت وقضت معه ساعة ثم ذهبت فجاءها بعد ذلك من يسألها عن قصة حجه فقالت لا يرحم الله أحدا يسألني عن هذا الموضوع ولن أبوح به ما دمت حية .
خاتمة
لا جرم أن جدية شيخنا كانت بسبب استشعار قيمة وعظمة ما يدرس ويصنِّف، فهو على صلة دائمة مع النصوص الشرعية التي تحث على الصدق في القول والعمل، ومخاطبة الناس بالطيب من القول، وتنهى عن السفه وبذاءة اللسان، وتنفِّر من الكبر والرياء والنفاق، وتحذِّر من الافتتان بمباهج الحياة والانسياق وراء مغرياتها. ولا نستغرب ولا تنتابنا الدهشة من هذا الخُلُق إذا فهمنا البواعث النفسية التي كانت تسيطر عليه ، فهو كثير الهمِّ على مسلمي عصره، شديد التمسك بسُنَّة نبيه ، حريص على العلم الشرعي، فضلاً عن تأثره بخُلُق كثير من مشايخه ، الذين كانوا يتصدرون لتدريس العلوم الشرعية ، ويحرصون كل الحرص على التقيد بالآداب العامة، ويتشددون في التزامها والتحلي بها ، حتى لا يكون هناك تناقض بين سلوكهم وأقوالهم.
وجدير بالذكر أن أوقاته كانت معمورة بين توجه للعبادة أو التصنيف والمطالعة ، وهذا شأن العلماء، وسمة العارفين الفضلاء، ومنشأ هذه الميزة في شخصيته العلمية هي جديته في الحياة، ومضاء عزيمته.
.
انتهى يوم 03/12/2012
بقلم الاستاذ / سيدي محمد ولد الشيخ ولد سيدن ولد حمادي